اليوم الثامن عشر من ذي الحجة
عيد الغدير الأغر سنة 10 هـ

في هذه السنة حج الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) حجة الوداع، وهي حجة الإسلام، وحجة البلاغ، وحجة الكمال، وحجة التمام، ولم يحج قبل ذلك منذ أن هاجر إلى المدينة وحتى توفاه الله تعالى. فقد خرج فيها مغتسلاً متدهّناً مترجّلاً متجرّداً في ثوبين صحاريين; إزار ورداء، وكان يوم السبت لخمس ليال أو ست بقين من ذي القعدة، ومعه نساؤه على الهوادج، وسار معه أهل بيته وعامة المهاجرين والأنصار، ومن شاء الله من باقي القبائل والناس.
وعند خروج الرسول (صلى الله عليه وآله) إلى مكة انتشر في المدينة داء الجدري أو الحصبة، فامتنع اُناس كثير عن الذهاب للحج، ومع ذلك كان معه ـ على أقل الروايات ـ مئة وأربعة عشر ألف، والذين حجّوا معه أكثر من ذلك، فيهم المقيمون في مكة والذين أتوا من اليمن مع أمير المؤمنين (عليه السلام).
وعند عودته (صلى الله عليه وآله) من مكة إلى المدينة وصل إلى غدير (خمّ) من الجحفة التي هي مفترق الطرق للمدنيين والمصريين والعراقيين، وكان يوم الخميس الثامن عشر من ذي الحجة، حيث نزل عليه جبرائيل (عليه السلام) عن الله تعالى بقوله تعالى: (يا أيها الرسول بلّغ ما اُنزل إليك من ربّك...) الآية.
وأمره أن يقيم علياً (عليه السلام) علماً وولياً للمسلمين، ويبلّغهم ما نزل في حقه من ولاية المؤمنين و وجوب طاعته، فأمر الرسول بجمع ما تقدم وما تأخر من المسلمين، ونهى عن شمراتٍ (شجر الطلح) وهن خمس عظام متقاربات، أن لا ينزل تحتهنّ أحد، ثم صلّى بعد صلاة الظهر تحتهنّ في يوم هاجر حتى يضع الرجل بعض ثيابه أو ردائه على رأسه، وبعضه تحت قدميه. وظلّل لرسول الله (صلى الله عليه وآله) بثوب على شجرة سمرة من الشمس، فلما أتم صلاته قام خطيباً وسط القوم على أقتاب الإبل، وأسمع الجميع فقال: «الحمد للّه ونستعينه ونؤمن به ونتوكل عليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، الذي لا هادي لمن أضلّ، ولا مضلّ لمن هدى. وأشهد أن لا إله إلاّ الله، وأن محمداً عبده ورسوله.
أما بعد: أيها الناس، قد نبّأني اللطيف الخبير: أنه لم يعمّر نبيّ إلاّ مثل نصف عمر الذي قبله، وإني اُوشك أن اُدعى فاُجيب. وإني مسؤول وأنتم مسؤولون، فماذا أنتم قائلون؟
قالوا: نشهد أنّك بلّغت ونصحت وجاهدت، فجزاك الله خيراً.
قال: ألستم تشهدون أن لا إله إلاّ الله، وأن محمداً عبده ورسوله، وأن جنته حقّ وناره حقّ، وأن الموت حقّ، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور.
قالوا: بلى، نشهد بذلك، قال: اللهم اشهد.
ثم قال: أيها الناس، ألا تسمعون؟
قالوا: نعم.
قال: فإني فرط على الحوض، وأنتم واردون علي الحوض.....فانظروا كيف تخلفونني في الثقلين.
فنادى مناد: وما الثقلان يا رسول الله؟.
قال: الثقل الأكبر كتاب الله، طرف بيد الله عزّ وجلّ وطرف بأيديكم، فتمسكوا به لا تضلوا. والآخر الأصغر عترتي. وإن اللطيف الخبير نبّأني أنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض، فسألت ذلك لهما ربّي. فلا تقدموهما فتهلكوا، ولا تقصروا عنهما فتهلكوا.
ثم أخذ بيد علي فرفعها حتى رؤي بياض إبطيهما وعرفه القوم أجمعون، فقال: أيها الناس، من أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟ فقالوا: الله ورسوله أعلم.
قال: إن الله مولاي، وأنا مولى المؤمنين، وأنا أولى بهم من أنفسهم، فمن كنت مولاه فعليّ مولاه، يقولها ثلاث مرات ـ وفي لفظ أحمد إمام الحنابلة: أربع مرات ـ ثم قال: اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه، وأحبّ من أحبّه، وابغض من أبغضه، وانصر من نصره، واخذل من خذله، وأدر الحقّ معه حيث دار، ألا فليبلّغ الشاهد الغائب.
ثم لم يتفرقوا حتى نزل الأمين جبرئيل بقوله تعالى: (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي) الآية.
فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): الله أكبر على إكمال الدين، وإتمام النعمة، ورضا الربّ برسالتي، والولاية لعلي من بعدي».
فشرع المسلمون بتهنئة أمير المؤمنين (صلوات الله عليه) وكان الشيخان في مقدمة المهنئين، كل منهما يقول: بخ بخ لك يابن أبي طالب،أصبحت وأمسيت مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة.
وقال ابن عباس: وجبت ـ والله ـ في أعناق القوم.
فقال حسان بن ثابت: إئذن لي يا رسول الله أن أقول في عليّ أبياتاً تسمعهنّ.
فقال (صلى الله عليه وآله): «قل على بركة الله».
فقام حسان، فقال: يا معشر مشيخة قريش، أتبعها قولي بشهادة من رسول الله في الولاية ماضية، ثم قال:

يناديهم يوم الغدير نبيّهم *** بخمّ، وأسمع بالرسول مناديا
فقال فمن مولاكم ونبيّكم *** فقالوا، ولم يبدوا هناك التعاميا
إلهك مولانا وأنت نبيّنا *** ولم تلق منّا في الولاية عاصيا
فقال له قم يا عليّ فإنني *** رضيتك من بعدي إماماً وهاديا
فمن كنت مولاه فهذا وليّه *** فكونوا له أتباع صدق مواليا
هناك دعا اللهم وال وليّه *** وكن للذي عادى علياً معاديا

 

وقد أقرّ النبي (صلى الله عليه وآله) هذه النفحات من الأبيات، التي لو لم يكن سواها مؤرخاً ولم يصل إلينا بسبب طمس الخلفاء الظالمين أي مُنزل ولا حديث الرسول في غدير خم مدوّن، لكفت وثيقة صدق لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.
ولقد قرّظ النبي (صلى الله عليه وآله) هذه الأبيات من الشعر بقوله (صلى الله عليه وآله):
«لا تزال يا حسّان مؤيداً بروح القدس ما نصرتنا بلسانك».
وقد أطبقت الاُمة الإسلامية على هذا في حينها، ولم تكن هنالك حادثة بهذا الحجم كواقعة الغدير الكبرى، وهو المحل القريب من الجحفة.
هذا غيض من فيض لواقعة الغدير، جعلنا الله سبحانه من المتمسكين بولاية عليّ أمير المؤمنين، وسيد الوصيين، والصلاة والسلام على خير المرسلين محمد وعلى آله الأطيبين المنتجبين إلى يوم الدين.