|
غزوة تبوك
وساعة العسرة
«السّاعة» من
الناحية اللغوية بمعنى مقطع زمني، سواء كان قصيراً أم طويلا، ولا
يقال للزمن الطويل جداً: ساعة. «والعسرة» بمعنى المشقة والصعوبة.
إِن تاريخ الإسلام يُبيّن أنّ المسلمين لم يعانوا مثل ما عانوه في
غزوة تبوك من الضغوط والمشقة، لأنّ المسير إِلى تبوك كان في وقت
اشتداد حر الصيف من جهة.
ومن جهة أُخرى فإنّ القحط قد أثّر في الناس وأنهك قواهم.
وكذلك فإنّ الفصل كان فصل اقتطاف الثمار، ولابدّ من جمع ما على
الأشجار والنخيل لتأمين قوت سنتهم.
وإِذا تجاوزنا جميع ذلك، فإنّ المسافة بين المدينة وتبوك طويلة
جداً.
والعدو الذي كانوا يريدون مواجهته هو إِمبراطورية الروم الشرقية،
التي كانت يومها من أقوى الامبراطوريات العالمية.
إِضافةً إِلى ما مرّ ، فإنّ وسائل النقل بين المسلمين كانت قليلة
إِلى الحد الذي قد يضطر أحياناً عشرة أشخاص إِلى أن يتناوبوا ركوب
وسيلة واحدة، وبعض المشاة لم يكونوا يمتلكون حتى النعل، وكانوا
مضطرين إِلى العبور على رمال الصحراء الحارقة بأقدام عارية ...
أمّا من ناحية الطعام والشراب، فإنّهم كانوا يعانون من قلّة المواد
الغذائية.
بحيث أنّ عدّة أشخاص يشتركون في تمرة واحدة أحياناً، فيمص كل منهم
التمرة ويعطيها لصاحبه حتى لا يبقى منها إِلى النواة ... وكان عدّة
أفراد يشتركون في جرعة ماء !!
لكن، ورغم كل هذه الأوضاع، فإنّ المسلمين كانوا يتمتعون بمعنويات
عالية وراسخة، وبالرغم من كل المشكلات، فإنّهم توجهوا برفقة
النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم) نحو العدو، وبهذه الاستقامة
والرجولة فإنّهم سجلوا للمسلمين. وفي كل العصور والقرون، درساً
كبيراً خالداً في ذاكرة الزمن ... درساً كافياً لكل الأجيال،
وطريقاً للانتصار على أكبر الأعداء وأخطرهم وأكثرهم عدّة ...
ولا شك أنّ بين المسلمين من كان يمتلك معنويات أضعف ، وهم الذين
دارت في رؤوسهم فكرة الرجوع والذين عبّر عنهم القرآن الكريم بـ(من
بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم) لأنّ (يزيغ) مأخوذة من (زيغ)
بمعنى الميل والانحراف عن الحق نحو الباطل.
لكن، وكما رأينا ، فإنّ المعنويات العالية للأكثرية من المسلمين ،
ولطف الله سبحانه بهم ، هو الذي صرف هؤلاء عن هذه الفكرة ،
ليلتحقوا بجماعة المجاهدين في طريق الحق.
|
درس كبير دائمي:
من المسائل
المهمّة التي تستفاد من هذه الآيات، مسألة مجازاة المجرمين
والفاسدين عن طريق الحصار الإِجتماعي وقطع الروابط والعلاقات ،
فنحن نرى أن قطع الروابط هذا قد وضع هؤلاء الثلاثة في شدة كانت
أصعب عليهم من كل السجون بحيث ضاقت عليهم الدنيا تحت وطأت الحصار
الاجتماعي وقطعوا الأمل من كل شيء.
إِنّ هذا الأُسلوب قد أثر في المجتمع الإِسلامي آنذاك تأثيراً
قوياً جدّاً، بحيث قلّ بعد هذه الحادثة من يجرأوا أن يرتكبوا مثل
هذه المعاصي.
إِنّ هذا النوع من العقاب لا يحتاج إِلى متاعب وميزانية السجون،
وليس فيه خاصية تربية الكسالى والأشرار كما هو حال السجون، إلاّ
أنّ أثره أكبر وأشدّ من تأثير أي سجن، فهو نوع من الإِضراب والجهاد
السلبي للمجتمع مقابل الأفراد الفاسدين ، فإنّ المسلمين إذا أقدموا
على مثل هذه المجابهة في مقابل المتخلفين عن أداء الواجبات
الإِجتماعية الحساسة، فإنّ النصر سيكون حليفهم قطعاً، وسيكون
بإمكانهم تطهير مجتمعهم بكل سهولة.
أمّا روح المجاملة والمساومة والإِستسلام التي سرت اليوم ـ مع
الأسف ـ في كثير من المجتمعات الإِسلامية كمرض عضال، فإنّها لا
تمنع ولا تقف أمام أمثال هؤلاء المتخلفين، بل وتشجعهم على أعمالهم
القبيحة.
|
غزوة تبوك ونتائجها:
منطقة «تبوك» هي أبعد نقطة وصل
إِليها النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم) في غزواته، وهذه الكلمة في
الأصل اسم قلعة محكمة وعالية كانت في الشريط الحدودي بين الحجاز
والشام، ولذلك سمّيت تلك المنطقة بأرض تبوك.
إِنّ انتشار الإِسلام السريع في جزيرة العرب كان سبباً في أن يدوي
صوت الرّسول(صلى الله عليه وآله وسلم) ونداؤه في جميع الدول
المجاورة للجزيرة العربية، ولم يكن أحد يعير للحجاز أهمية لغاية
ذلك اليوم، فلما بزغ فجر الإِسلام، وظهرت قوّة جيش النّبي(صلى الله
عليه وآله وسلم) الذي وحّد الحجاز تحت راية واحدة، خاف هؤلاء من
عاقبة الأمر.
إِنّ دولة الروم الشرقية المتاخمة للحجاز ، كانت تحتمل أن تكون من
أوائل ضحايا تقدم الإِسلام السريع، لذلك فقد جهزت جيشاً قوامه
أربعون ألف مقاتل، وكان مجهزاً بالأسلحة الكافية التي كانت تمتلكها
قوّة عظمى كإمبراطورية الروم، واستقر الجيش في حدود الحجاز، فوصل
الخبر إِلى مسامع النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم) عن طريق
المسافرين، فأراد النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم) أن يلقن الروم
وباقي جيرانه درساً يكون لهم عبرة. فلم يتأخر عن إِصدار أمره
بالتهيؤ والإِستعداد للجهاد، وبعث الرسل الى المناطق الأُخرى
يبلّغون المسلمين بأمر النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم) فلم يمض
زمن حتى اجتمع لديه ثلاثون ألفاً لقتال الروميين، وكان من بينهم
عشرة آلاف راكب وعشرون ألف راجل.
كان الهواء شديد الحّر، وقد فرغت المخازن من المواد الغذائية ،
والمحصولات الزراعية لتلك السنة لم تحصد وتجمع بعدُ، فكانت الحركة
في مثل هذه الأوضاع بالنسبة للمسلمين صعبة جدّاً، إلاّ أنّ أمر
الله ورسوله يقضي بالمسير في ظل أصعب الظروف وطي الصحاري الواسعة
والمليئة بالمخاطر بين المدينة وتبوك.
إِنّ هذا الجيش نتيجة للمشاكل الكثيرة التي واجهها من الناحية
الإِقتصادية، والمسير الطويل، والرياح السَموم المحرقة، وعواصف
الرمال الكاسحة، وعدم امتلاك الوسائل الكافية للنقل، قد عرف بـ
(جيش العسرة)، ولكنّه تحمل جميع هذه المشاكل، ووصل إِلى أرض تبوك
في غرة شعبان من السنة التاسعة للهجرة، وكان النّبي(صلى الله عليه
وآله وسلم) قد خلف علياً(عليه السلام) مكانه، وهي الغزوة الوحيدة
التي لم يشارك فيها أميرالمؤمنين(عليه السلام).
إِن قيام النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم) بإقامة علي(عليه السلام)
مكانه كان عملا ضرورياً وفي محله، فإنّه كان من المحتمل جداً أن
يستفيد المتخلفون من المشركين أو المنافقين ـ الذي امتنعوا بحجج
مختلفة عن الإِشتراك في الجهاد ـ من غيبة النّبي(صلى الله عليه
وآله وسلم) الطويلة، ويجمعوا أفرادهم ويحملوا على المدينة ويقتلوا
النساء والأطفال ويهدموا المدينة، إِلاّ أنّ وجود علي(عليه السلام)
كان سدّاً منيعاً في وجه مؤامراتهم وخططهم.
وعلى كل حال، فإنّ النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم) حينما وصل إِلى
تبوك لم ير أثراً لجيوش الروم، وربّما كان ذلك لأنّهم سمعوا بخبر
توجه هذا الجيش الإِسلامي العظيم، وقد سمعوا من قبل بشجاعة
واستبسال المسلمين العجيبة، وما أبدوه من بلاء حسن في الحروب،
فرأوا أنّ الأصلح سحب قواتهم إِلى داخل بلادهم، وليبيّنوا أنّ خبر
تجمع جيش الروم على الحدود، ونيّته بالقيام بهجوم على المدينة،
شائعة لا أساس لها، لأنّهم خافوا من التورط بمثل هذه الحرب الطاحنة
دون مبررات منطقية، فخافوا من ذلك.
إِلاّ أنّ حضور جنود الإِسلام إِلى ساحة تبوك بهذه السرعة قد أعطى
لأعدائه عدة دروس:
أولا:
إنّ هذا الموضوع أثبت أنّ المعنويات العالية والروح الجهادية لجنود
الإِسلام، كانت قوية إِلى الدرجة التي لا يخافون معها من الإِشتباك
مع أقوى جيش في ذلك الزمان.
ثانياً:
إِنّ الكثير من القبائل وأمراء أطراف تبوك أتوا إِلى النّبي(صلى
الله عليه وآله وسلم) وأمضوا عهوداً بعدم التعرض للنبي(صلى الله
عليه وآله وسلم) ومحاربته، وبذلك فقد اطمأن المسلمون من هذه
الناحية، وأمنوا خطرهم.
ثالثاً:
إِنّ إِشعاع الإِسلام وأمواجه قد نفذت إِلى داخل حدود إِمبراطورية
الروم، ودوّى صدى الإِسلام في كل الأرجاء باعتباره أهم حوادث ذلك
اليوم، وهذا قد هيأ الأرضية الجيدة لتوجه الروميين نحو الإِسلام
والإِيمان به.
رابعاً:
إِنّ المسلمين بقطعهم هذا الطريق، وتحملهم لهذه الصعاب، قد عبّدوا
الطريق لفتح الشام في المستقبل، وقد اتضح للجميع بأن هذا الطريق
سيقطع في النهاية.
وهكذا، فانّ هذه المعطيات الكبيرة تستحق كل هذه المشاق والتعبئة
والزحف.
وعلى كل حال، فإنّ النّبي على عادته ـ قد استشار جيشه في
الإِستمرار في التقدم أو الرجوع، وكان رأي الأكثر بأنّ الرجوع هو
الأفضل والأنسب لروح التعليمات الإِسلامية، خاصّة وأن جيوش
المسلمين كانت قد تعبت نتيجة المعاناة الكبيرة في الطريق، وضعفت
مقاومتهم الجسمية، فأقر النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم) هذا الرأي
ورد جيوش المسلمين إِلى المدينة.(تفسير الامثل)
|
|