المقدمة الأولى

في الدليل على انه(عليه السلام) في الغري حسب ما يوجبه النظر


الذي يدل على ذلك إطباق المنتمين إلى ولاء أهل البيت(عليهم السلام)، ويرون ذلك خلفا عن سلف، وهم ممن يستحيل حصرهم أو التطرق عليهم المواطأة والافتعال، وهذه قضيه التواتر التي يحكم عندها بالعلم، وان ذلك ثبت عندهم حسب ما دلهم عليه الأئمة الطاهرون الذين هم عمدتنا في الأحكام الشرعية، والأمور الدينية. ولا فرق بين ذلك وبين قضيه شرعيه قد تلقيناها بالقبول من جهتهم: بمثل هذا الطريق.
ومهما قال مخالفونا في هذه المقالة من ثبوت معجزات النبي(صلى الله عليه واله وسلم) وإنها معلومة له، فهو جوابنا في هذا الموضع (حذوا النعل بالنعل)[1]، (والقذة بالقذة)[2]، ولا يقال لو كان الأمر كما تقولون لحصل العلم عندنا مثل ما هو عندكم، لأنا نقول: لا خلاف بيننا وبينكم انه(عليه السلام) دفن سرا، وحينئذ أهل بيته (اعلم بسره) من غيرهم، والتواتر الذي حصل لنا منهم مما دلوا عليه وأشاروا ببنان البيان إليه، ولو كان الأمر كما يزعم مخالفونا لتطرق إليهم اللوم من وجه آخر وذلك إذا كان عندهم انه مدفون في قصر الإمارة، أو في رحبة مسجد الكوفة، أو بالبقيع، أو في (كوخ زادوه).
كان يتعين إن يزوره فيها أو في واحد منها، ومن المعلوم إن هذه الأقاويل ليست لواحد، فكان كل قائل بواحد منها على انفراده يزور أمير المؤمنين(عليه السلام) من ذلك الموضع كما يزور معروف الكرخي[3]، والجنيد[4]، والسري السقطي[5]، وأبا بكر الشبلي[6]، وغيرهم، ولو انه ممن يهجر زيارة الموتى، أو لا يعتقد فضل أمير المؤمنين وعلو محله لما ألزمه هذا الإلزام.
وكيف يكون حاصلا عندكم التواتر على ما يقولونه، والكتب مملوءة من الاختلاف على ما قدمناه.
ولو فرضنا إن الذي صدر عنه التواتر، وإلا كما تزعمون يقول خلاف ما نقوله لم نقبله لان البحث في القبول وعدمه للمتواترات إنما هو قيل من صدر عنه المتواتر، وإلا لزم التناقض وخاصة إذا كان التواتر لا يلزم منه وفاق الخصم عليه، وأقول أيضا: إن كل ميت أهله اعلم بحاله في الغالب، وهم أولى بذلك من الأباعد الأجانب، فكيف إذا كان أهل البيت(عليهم السلام) المعنون لهذه المعلومية، وهم الذين (قدرهم راسخ)، وعزهم شامخ، وقدسهم راسخ، لا يفارقهم الكتاب مرافقه احد الثقلين للآخر اتحادا وموافقة.
وقد حكى أبو عمر الزاهد[7] في كتاب (اليواقيت)عن ثعلب معنى الثقلين، قال: سمى بذلك لان الآخذ بهم ثقيل، ولا شك إن عترته وشيعته متفقون على إن موضع قبره لا يرتابون به أصلا، ويرون عنده آثارا تدل على صدق قولهم وهى كالحجة على المنكر المحاول للتعطيل، وأعجب الأشياء انه لو وقف الناس على قبر مجهول وقال: هذا قبر أي؟ رجع فيه إلى قوله، وكان مقبولا لارتياب فيه عند سامعه، ويقول أهل بيته المعظمون الأئمة إن هذا قبر والدنا ولا يقبل منه، ويكون الأجانب الأباعد المناوون اعلم به. إن هذا من غريب القول فهو غير ملوم إنما ستر منه وكتم عنه ولما يحط به علما، ولو ادعى العلم الحال هذه كان غير صادق، ولكنه لما جهل الحال كل منه استخرج قولا وأجراه مجرى الاجتهاد في الأحكام لما رأى عنده من المرجح له وان لم يكن له علم بالحقيقة به كما ذكرنا. ونقل الناقل عن هذا الجهال بالأمر على ما عنده من جهالته، واستمرت القاعدة الجهلية من تلك الطبقة إلى الطبقة الثانية تلقيا لذلك الجهل الأول، فأهله واعيان خواصه أولى بالمعرفة وأدرى، وهذا واضح لا إشكال فيه ولا مراء. وقد ذكرنا مأتى السبب الذي اوجب إخفاء قبره(عليه السلام)، ولا شك إن ذلك سبب الاختلاف فيه والأئمة الطاهرون(عليهم السلام) لو أشاروا إلى خبر أجنبي لقلدوا فيه، فكيف وهم الأئمة والأولاد! فله أرجحية من جهتين ظاهرتين، وهذا القدر كاف ولو أردنا تشعب المقال لأطلنا، ولكن ما دل وقل أولى مما كثر فمل.

 

 



[1] أي تعملون مثل أعمالهم كما تقطع إحدى النعلين على قدر النعل الأخرى.
والحذو: التقدير والقطع . انظر النهاية في غريب الحديث: 1: 357.
[2] القذة: ريشة الطائر كالنسر والصقر بعد تسويتها وإعدادها لتركب في السهم، والمراد هنا مثلاً للشيئين يستويان ولا يتفاوتان، انظر المعجم الوسيط 2: 721.
[3] معروف الكرخي: أو محفوظ معروف بن فيروز، وقيل الفيروزان، وقيل علي، الكرخي الصالح المشهور، وهو من موالي علي بن موسى الرضا.
وكان أبواه نصرانيين، فأسلماه إلى مؤدبهم وهو صبي، فكان المؤدب يقول له: قل ثالث ثلاثة، فيقول إلينا على أي دين شاء فنوافقه عليه، ثم إنه أسلم على يد علي بن موسى الرضا، ورجع إلى أبويه فدق الباب، فقيل له: من بالباب ؟ فقال: معروف، فقيل له: على أي دين؟ فقال: على الإسلام، فأسلم أبواه.
والكرخي بفتح الكاف وسكون الراء وبعدها خاء معجمة، هذه النسبة إلى الكرخ، وهو اسم تسع مواضع ذكرها ياقوت الحموي في كتابه وأشهرها كرخ بغداد، والصحيح إن معروفاً الكرخي منه .
وتوفي سنة 200هـ وقيل 204هـ ببغداد وقبره مشهور بها يزار .
انظر وفيات الأعيان 5: 231، معجم البلدان.
[4] أبو القاسم الجنيد بن محمد بن الجنيد الخزاز القواريري، الزاهد المشهور، أصله من نهاوند، ومولده ومنشؤه بالعراق وتفقه على أبي ثور، وقيل على مذهب سفيان الثوري وصحب خاله السري السقطي. فكان ورعاً زاهداً متصوفاً.
وتوفي سنة 297هـ وقيل 298هـ ببغداد ودفن عند خاله سري السقطي . وفيات الأعيان 1: 373.
[5] السري السقطي: أبو الحسن سري بن المفلس السقطي أحد رجال الطريقة، كان تقياً ورعاً، وهو خال أبي القاسم الجنيد وأستاذه، وكان تلميذ معروف الكرخي، يقال: إنه كان في دكانه، فجاءه معروف يوماً ومعه صبي يتيم، فقال له: اكس هذا اليتيم، قال سري: فكسوته، ففرح به معروف، وقال: بغض الله إليك الدنيا وأراحك مما أنت فيه: فقمت من الدكان وليس شيء أبغض إلي من الدنيا . وكل ما أنا فيه من بركات معروف .
وكانت وفاته سنة 251هـ وقيل 256هـ وقيل 257هـ ببغداد ودفن بالشونيزية، وقال الخطيب البغدادي: مقبرة الشونيزي وراء المحلة المعروفة بالتوتة بالقرب من نهر عيسى بن علي الهاشمي وقبره ظاهر معروف، وإلى جنبه قبر الجنيد (رحمهما الله) . وكان سري كثيراً ما ينشد:
إذ ما شكوت الحب قالت كذبتنــي فما لي أرى الأعضاء منك كواسيا
فلا حب حتى يلصق الجلد بالحشا وتذهـل حتــــى لا تجيـب المناديــا
انظر: وفيات الأعيان 2: 357، تاريخ بغداد.
[6] أبو بكر الشبلي: أبو بكر دلف بن جحدر ـ وقيل جعفر، وقيل جعفر بن يونس وهكذا مكتوب على قبره . المعروف بالشبلي الخراساني الأصل البغدادي المولد والمنشأ .
والشبلي: نسبة إلى شبلة، وهي قرية من قرى أسر وشنه (وهي بلدة عظيمة وراء سمرقند من بلاد ما وراء النهر).
وكان أبو بكر مالكي المذهب، صحب أبا القاسم الجنيد، ثم إنه أنس إلى طريقة التصوف فصحب جماعة منهم . وكانت وفاته سنة 334هـ ببغداد ودفن في مقبرة الخيزران، وعمره 87 سنة .
انظر: الوفيات الأعيان 2: 275.
[7] أبو عمر الزاهد: محمد بن عبد الواحد بن أبي هاشم، المعروف بغلام ثعلب، كانت ولادته سنة 261هـ، وهو أحد أئمة اللغة وكانت صناعته تطريز الثياب، صحب ثعلباً النحوي زماناً حتى لقب (غلام ثعلب)، ومن كتبه اليواقيت، ورسالة في غريب القرآن ومصنفات له كثيرة.
توفي في بغداد سنة 345هـ.
انظر ترجمته: الأعلام 7: 132، سير أعلام النبلاء 15: 508، وفيات الأعيان 4: 329، طبقات النحويين واللغويين: 229، تاريخ بغداد 2: 356، مرآة الجنان 2:337، البداية والنهاية 11: 230، شذرات الذهب 2: 270، العبر 2: 268، الوافي بالوفيات 4: 72، معجم الأدباء 18: 226، المنتظم 6: 380، الفهرست: 113.