الصحن الحيدري

الصحن في اللغة يعني (ساحة الدار أو المسجد)(1) والصحن الحيدري هو الساحة الكبيرة التي يقع المرقد وسطها . ويحيط بالصحن سور مربع الشكل تقريبا ، ويبلغ طول كل من ضلعيه الشرقي والغربي من الخارج أربعة وسبعين مترا ومن الداخل اثنين وسبعين مترا(2)، أما المساحة الكلية للصحن الشريف فإنها تقرب من ثمانية آلاف متر مربع(3)، ويبلغ ارتفاعه في معظم أجزائه سبعة عشر مترا ، وفي كل ضلع من ضلعيه الشمالي والجنوبي ثلاثة عشر إيوانا في الطابق الأرضي ونفس العدد في الطابق العلوي ومن ضمنها باب (الطوسي) في الضلع الشمالي وباب (القبلة) في الضلع الجنوبي عدا الإيوان الكبير لمقبرة السيد محمد كاظم اليزدي في الضلع الشمالي ومقبرة السيد محمد سعيد الحبوبي في الضلع الجنوبي.

أما عدد أواوين الضلع الشرقي من الصحن الشريف فهو أربعة عشر إيوانا في الطابق الأرضي ومثلها في الطابق العلوي ، ومن ضمنها باب (مسلم ابن عقيل) والباب المؤدي إلى مسجد الخضراء ، عدا الإيوان الكبير الذي يواجه الإيوان الذهبي ، وفوقه الساعة . أما الضلع الغربي ، يضم ثمانية أواوين في الطابق الأرضي ومثلها في الطابق العلوي ، أربعة منها على شمال الساباط وأربعة أخرى على يساره ومن ضمنها باب (الفرج) أو باب (سوق القاضي) وتحت الساباط ستة أواوين كبيرة أعدت لتكون مقابر للعلماء والوجهاء وفي وسطها بهو وبوابة تؤدي إلى مسجد الرأس.

ويتكون الصحن الحيدري الشريف من طابقين في كل منهما صف من الإيوانات المقببة ، وفتحاتها معقودة بعقود مدببة ، ويبلغ اتساع بعضها (400سم) وبعضها الآخر (370سم) وعمق الإيوان (220سم) والجدار الفاصل بينهما (130سم) ، أما الطابق العلوي فإنه يتكون من رواق معقود مدبب يتقدم مجموعة من الغرف المقببة التي كانت مخصصة لطلبة العلم والمتصوفة والمنقطعين للعبادة قبيل إنشاء المدارس الدينية والمعاهد والمساجد ، وإن مجموع غرف الطابق العلوي (78غرفة) موزعة على كل من الجهتين الشمالية والجنوبية ، لكل منهما (19غرفة) وفي الجهتين الشرقية والغربية لكل منهما (20غرفة)(4).

إن أواوين الصحن الحيدري عبارة عن حجر ، ويفصل كل إيوان عن الآخر ساريتان ، كل واحدة بعرض متر أو يزيد قليلا وبارتفاع عشرة أمتار أو يزيد قليلا أيضا. ويعقد بين الساريتين قوسان ، القوس الأول وفوقه عصابة من القاشاني البديع بعرض نصف متر لسقف الطابق العلوي ، والقوس الثاني فوق عصابة من القاشاني لسقف الطابق الثاني ، وعصابة هذا القوس عليها كتابة بالقاشاني لبعض الآيات القرآنية الكريمة وقد كتبت كتابة نفيسة بالقاشاني الأبيض المرشوش بالقلم النسقي . وتسمى هذه العصابة في الريازة النجفية (الكتيبة) ، وهكذا عمارة الصحن الحيدري إيوانا على إيوان وبيتا على بيت وسارية على سارية يُمنطقها من الوسط نطاق من القاشاني بعرض نصف المتر تقريبا إلا قسما من الجهة الغربية يشكل طاقا يمتد من ظهر الحرم ومساند له على امتداده ، وذلك الطاق لا يستوعب الجهة الغربية كلها بل يستوعب في الجنوب أربعة إيوانات ومثلها في الشمال الغربي(5).

ويضم الصحن الشريف أربعة إيوانات ذات طابق واحد كبير ينعقد على كل واحد منها قوس من القاشاني مطوي بشكل اطار .ويجنب ذلك الاطار ,اطارات من القاشاني المكتوب بآيات من القرآن الكريم ، واحد يقع في الجهة الشمالية وهو مقتطع من رواق عمران بن شاهين ، وقد كتب عليه بالقاشاني قوله تعالى : (ومن يعمر مساجد الله) ويقابله الإيوان الثاني المقتطع من رواق عمران بن شاهين والذي يسمى (إيوان العلماء) ويعود تجديده إلى عهد السلطان نادر شاه . وما تزال بلاطات الكاشي التي تكسو معظم جدران الإيوان باقية حتى الآن ، وتعد من أقدم القاشاني الموجود في المشهد العلوي كما يعد وثيقة تاريخية هامة لأنه  إلى جانب إحتوائه على تاريخ العمارة ، فإنه يحتوي على قصيدة شملت أسماء الأئمة عليهم السلام باسم كاتبها كمال الدين حسين كلستان وتاريخها عام 1160هـ .

أما الإيوان الثالث الكبير فإنه يقع في الجهة الجنوبية ، وقد دفن فيه العلامة المجاهد السيد محمد سعيد الحبوبي عام 1333هـ /1915م ويقابله الإيوان الرابع ، وهو في ظهر الحرم ، وفي أعلاه الميزاب الذهبي ويسمى (إيوان الميزاب)(6).

وتعود تصاميم الصحن الحيدري الشريف إلى العهد الصفوي حين وضعت للحضرة والصحن التصاميم التي هي عليها الآن من قبل الشيخ البهائي محمد بن الحين العاملي (ت1031هـ) ، فقد أخذ قسما من مسجد عمران بن شاهين وأدخله في الصحن.

وكان للشيخ البهائي (ت1031هـ) دور كبير في هندسة الصحن الشريف والحضرة الحيدرية ، إذ من النادر أن نجد له ندا بين العلماء العرب والمسلمين في حذق العلوم الرياضية والفلكية والهندسية فضلا عن العلوم الدينية . وقد بقي في مدينة النجف الأشرف مدة من الزمن أستاذا في مدرستها ، ونشأت بينه وبين علماء النجف علاقات وثيقة ودارت بينه وبينهم مراسلات شعرية ونثرية بعد مغادرته النجف إلى أصفهان . وأثناء وضعه خطط الصحن الحيدري الشريف ، بنى مكانا (لنعال الزائرين).

وجاء تصميم الصحن الشريف غاية في الإبداع والفرادة ، فقد وضعه على نحو هندسي فلكي بحيث أن كل حجرة من الحجرات التي هي في أطراف الصحن الشريف تقابل كوكبا من الكواكب المرتبة للعلوم ، فإذا كان طالب العلم الرياضي في حجرة تقابل الكوكب المربي للعلم الرياضي ، تعلم ذلك العلم بمدة قصيرة . ووضع جدار الصحن الحيدري على نحو يتحقق أول الظهر في أي فصل من فصول السنة بوصول الشمس إلى الجدار(7).

وكانت علمية الشيخ البهائي بالهندسة والفلك قد أتاحت له منزلة مرموقة تتسم باحترام وتقدير الدولة الصفوية ، وإن عمارته للمشهد العلوي تشهد بخبرته وبراعته الفنية في الرياضيات والهندسة ، وقد وضع تصاميم كثيرة للمعابد والمساجد على أسس فنية بحيث يستفاد منها في تعيين المواقيت الشرعية(8).

وترتبط بالصحن سبع عمارات مستقلة ، وهي في الوقت نفسه متداخلة فيه ، وقد أخذت من داخل الصحن مستوى موحدا مع الأواوين . وهذه العمارات هي :

1)    مدرسة الصحن : وتقع في الجهة الشمالية من الصحن.

2)    جامع الخضراء : ويقع شرقي الصحن.

3)    تكية البكتاشية : وتقع غربي الصحن.

4)    مسجد الجمعة : ويقع غربي الصحن مجاورا لتكية البكتاشية.

5)    حسينية هاشم زيني : وتقع في الجهة الشمالية من الصحن.

6)    مسجد عمران : ويقع عند باب الطوسي.

7)    دورة المياه : وتقع في الركن الشمالي الشرقي من الصحن.

وفي خلف المرقد الشريف ، يقع (الساباط) ، وهو بناء مرتفع تتوسطه فرجة مستديرة ، وكان هناك – قديما – باب يفضي إلى الرواق(9). وقد وصفت الدكتورة سعاد ماهر (الساباط) بقولها : إنه سقيفة مرتفعة يتوسطها  عقد نصف دائري كبير تظل الجهة الغربية من الصحن(10).

وكانت أرضية الصحن منخفضة ومزدحمة بالقبور والمحاريب التي كانت تبدو ظاهرة على سطح الأرض مما جعل المشي متعذرا في كثير من أجزائه الأمر الذي أدى إلى تبليط الصحن بالصخر المربع الشكل . وفي عام 1315هـ ، عبدت أرضية الصحن وحفرت السراديب ونقل إليها الكثير من القبور ، ثم كسيت الأرضية ببلاطات من المرمر(11).

 

1 إبراهيم مصطفى وآخرون : المعجم الوسيط 1/510.

2 الحسني : العراق قديما وحديثا 135، سعاد ماهر : مشهد الإمام علي ص141.

3 شريف يوسف : تاريخ فن العمارة ص472.

4 سعاد ماهر : مشهد الإمام علي في النجف ص141.

5 الشرقي : الأحلام ص64،63، موسوعة الشيخ علي الشرقي النثرية 2/141-142.

6 الشرقي : الأحلام ص64.

7 النقدي : الغزوات والفضائل ص204.

8 الشبيبي : (الإمام العاملي) مجلة النجف ، العددان (17، 18) السنة الأولى ص2.

9 محبوبة : ماضي النجف وحاضرها 1/52.

10 سعاد ماهر : مشهد الإمام علي في النجف ص159.

11 سعاد ماهر : ن.م.