|
الـحـوزة
الـعـلـمـية
مدرسة الحوزة في دور الضعف*
تعرضت مدرسة النجف الأشرف في القرن
السابع الهجري إلى منافسة مدرسة الحلة التي استطاعت ، في بعض
الأحيان ، أن تضعفها وتتقدم عليها . إلا أن المدرسة النجفية ، على
الرغم من ذلك ، بقيت تؤدي دورها العلمي وتستقطب رجال الفكر حتى من
مدينة الحلة نفسها . ويقول الشيخ علي الشرقي : (( وبقيت تلك الهيأة
العلمية في النجف إلى القرن السابع للهجرة ، وفيه انتقل معظمها إلى
الحلة السيفية ، وبرغم هذا الإنتقال لم ينضب المنبع . على أن ذلك
لم يدم ، فما عتمت الحلة إلا أن ترد الأمانة إلى أهلها لتعود النجف
المركز الوحيد للعلم والعلماء )) [1] .
ولكننا ، في حدود التتبع لرجال المدرسة النجفية ، لم نجد من هاجر
منهم إلى الحلة أثناء وصول مدرستها إلى القمة في عهد الشيخ محمد بن
إدريس الحلي المتوفى عام 598 هـ والمحقق الحلي أبي القاسم نجم
الدين جعفر بن الحسن المتوفى عام 676 هـ والعلامة الحلي جمال الدين
الحسن بن يوسف المتوفى عام 726 هـ ، على الرغم من عدم وجود أعلام
بمستوى هؤلاء في مدرسة النجف ، فقد قيل أن مجلس المحقق الحلي كان
يضم ما يقرب من اربعمائة مجتهدا [2].
وأفادت بعض النصوص التاريخية أن المحقق الحلي أعطى إجازة علمية
للشيخ محمد بن إسماعيل بن الحسن بن علي الهرقلي في نهار يوم الخميس
المصادف 15 رمضان عام 670 هـ ، وبعد أن قرأ كتاب (( شرائع الإسلام
)) كتب له إجازة في يوم الأربعاء المصادف لعيد الغدير في مدينة
النجف الأشرف عام 671 هـ [3] .
ومن المحتمل أن الشيخ محمد بن إسماعيل الهرقلي من أعلام النجف ،
وقد تتلمذ على المحقق الحلي فأجازه بعد إكمال دراسته لكتاب ((
شرائع الإٍسلام )) منتهزا مناسبة يوم الغدير العظيم في النجف
الأشرف .
وبقيت النجف تعيش على إرثها العلمي الذي قدمته خلال قرون من حياتها
العلمية . فكانت ينظر إليها على انها صاحبة المرجعية العليا ، فيشد
إليها الرحال مع وجود مدرسة الحلة التي تجاورها . وقد اشار إلى هذه
الحقيقة الشيخ ابراهيم بن الحسام العاملي ، وهو من أعلام القرن
السابع الهجري بقوله [4] :
عرج بجزين يا مستبعد النجف ففضل من حلها ، يا صاح ، غير خفي
فقد أراد الشيخ العاملي أن يقول : إذا كانت النجف بعيدة عن طالب
العلم من العامليين ، فإن بلدة ( جزين ) في جبل عامل غير بعيدة عنه
، فهي كالنجف معنية بفقه وعلوم أهل البيت عليهم السلام سيما وان
شيوخها هم خريجو مدرسة النجف الأشرف .
وبقي يحمل لواء العلم في النجف الأشرف ، خلال القرن السابع الهجري
، أعلام من أسر علمية معروفة كآل عبد الحميد وآل المختار وغيرهما ،
فقد تولى بعض أعلامها خزانة المرقد الشريف ونقابة العلويين
والطالبيين . وفي هذه الفترة ، قصد النجف أعلام من العراق وخارجه
للإستماع إلى علمائها وفقهائها ومنهم الشيخ إبراهيم بن محمد المؤيد
بن حمويه الجويني الشافعي الصوفي المتوفى عام 622 هـ [5] ، والسيد
رضي الدين علي بن طاووس المتوفى عام 664 هـ ، والسيد محمد بن محمد
بن محمد القاضي الآوي عام 641 هـ [6] .
وكانت ظاهرة التلاقح العلمي والفكري بين النجف الأشرف والحلة ، في
القرن السابع الهجري ، بارزة حيث أشار إليها الأستاذ حسن الأسدي
بقوله : ( وفي إثر ذلك ، بقيت المدينتان تتبادلان التأثر إحداهما
بالأخرى من الناحية الدينية والأدبية ، بل تتنازعان الزعامة مدة من
الزمن ) [7] .
إن فترة الضعف العلمي في المدرسة النجفية استمرت قرابة قرن من
الزمن وبخاصة عصر المحقق الحلي والعلامة الحلي صاحبي مدرسة الحلة
العلمية في القرن السابع الهجري ، أخذت النجف خلالها تحافظ على
وجود المدرسة بأعلام فقهاء وأدباء ونسابة ، واصبح لهم الفضل الكبير
على استعادت المدرسة عافيتها في القرن الثامن الهجري ، وكان السادة
نقباء العلويين من اسرتي " آل عبد الحميد " و" آل المختار " يجمعون
بين العمل الإداري للنقابة العلوية والسعي العلمي ، فقد تتلمذ
عليهم عدد من الأعلام ، وقد شدت الرحال إلى النجف في هذه الفترة
على الرغم من تفوق مدرسة الحلة فقهيا وأصوليا فقد عاش بعض رجال
اسرة " آل طاووس " الحلية في النجف ، وجمع بعض الرجال نقابة
العلويين في منطقة الفرات ، وكان صمود المدرسة النجفية الرائع
جعلها تستعيد قواها بعد فقدان مدرسة الحلة علميها ، المحقق
والعلامة ، وعند ذلك أخذت النجف تبني ما تهدم منها وقد استكملت
البناء في القرن الثامن الهجري .
|
*من كتاب المفصل
للدكتور السيد حسن الحكيم ج4 .
[1] الشرقي : الأحلام ص 43 .
[2] بحر العلوم : ( الدراسة وتاريخها في النجف ) موسوعة العتبات
المقدسة / قسم النجف 2 / 53 .
[3] الطهراني : طبقات أعلام الشيعة / القرن الثامن ص 179 ، الذريعة
1/ 164 ، 13 / 48 .
[4] الأمين : أعيان الشيعة 7 / 211 ، 49 / 122 ، محمد كاظم مكي :
الحركة الفكرية والأدبية في جبل عامل ص 29 ، كمال الدين فقهاء
الفيحاء 1 / 173 ، الزين : مع الأدب العاملي ص 13 .
[5] إبن حجر : الدرر الكامنة 1 / 69 .
[6] النوري : دار السلام 1 / 325 .
[7] الأسدي : ثورة النجف ص 32 .
|
|