قدم مسجد الكوفة

    وأما قدم مسجد الكوفة ، فإنه ذكر ذلك جماعة كثيرة من فقهائنا منهم : شيخنا الصدوق محمد بن علي بن موسى بن الحسين بن بابويه القمي ( رحمه الله ) صاحب التصانيف الكثيرة ، فإنه ذكر ذلك في كتابه من لا يحضره الفقيه ( 1 ) ، وآخر من ذكر قدم مسجد الكوفة العلامة الكبير السيد محمد ابن السيد عبد الكريم الطباطبائي ( رحمه الله ) ( 2 ) ، وهذا السيد هو جد العلامة الحجة البالغة السيد محمد مهدي الشهير ببحر العلوم ( قدس سره ) وله تصانيف منها : رسالة في فضل الكوفة ، فإنه ذكر في أولها نبذة من فضائل مسجد الكوفة الأعظم وفضل الصلاة فيه ، قال : وقال النبي ( صلى الله عليه وآله ) : « لما أسري بي مررت بموضع مسجد الكوفة وأنا على البراق ومعي جبرئيل فقال : يا محمد هذه كوفان وهذا مسجدها ، إنزل فصل في هذا المكان . قال : فنزل فصليت ، فقلت : يا جبرئيل أي شيء هذا الموضع ؟ قال : يا محمد هذه كوفان وهذا مسجدها ، أما إني فقد رأيتها عشرين مرة خرابا وعشرين مرة عمرانا ما بين كل مرتين خمسمائة عام » انتهي ( 3 ) .

قال البراقي : انظر أيها القارئ إلى قدم مسجد الكوفة ، ويحتمل لكلام جبرئيل ( عليه السلام ) وجهان :

أحدهما : أن يكون رآه قبل أن يخلق آدم بهذه المدة وهي عشرون ألف سنة ، فيكون على ما ذكرنا في أول كتابنا هذا ، أنه كان معبدا للملائكة .

والوجه الثاني : وهو غير متجه ، أنه رآه من حين ما خلق آدم إلى زمان نبينا ، فعلى هذا الوجه لم يتجه ، لأن من خلق آدم إلى نبينا ستة آلاف بالاتفاق من المؤرخين وأهل السير والأخبار ، نعم إن فيما بينهم اختلافا في الزيادة على الستة آلاف بمقدار من السنين ، فبعضهم يزيد مائة سنة وبعضهم أقل وبعضهم أكثر ( 4 ) . وقال السيد المذكور في رسالته : نقل أنه قد خطط ذلك المسجد أبو البشر آدم ( عليه السلام ) لما ذكر من حديث جبرئيل ( عليه السلام ) . ثم قال : ولا ينافي ما ذكرنا من أنه خطه آدم بناء على ما نقل واشتهر : أنه كان من ابتداء خلق آدم إلى زمان نبينا ( صلى الله عليه وآله ) ستة آلاف سنة أو قريب منها ، فلو كان المسجد مبنيا من زمانه ( عليه السلام ) لكان رؤية جبرئيل إياها من زمانه إلى زمان نبينا ( صلى الله عليه وآله ) اثنتي عشرة مرة ، وذلك لجواز كون الباقي ثماني وعشرين مرة أخرى في زمان خلافة الملائكة والجن قبل آدم ، وعمارته في زمانهما يمكن أن تكون بالعبادة أو مع البناء الظاهر . انتهى . فاتضح : أن مسجد الكوفة كان قبل خلق أبينا آدم ( عليه السلام ) بألوف من السنين ، وأنه كان قبل آدم معبدا للملائكة ولمن شاء الله من خلقه .


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
1 - من لا يحضره الفقيه : 1 / 228 - 230 ، باب حد مسجد الكوفة وفضلها .
2
- هو السيد محمد بن عبد الكريم ابن السيد مراد ابن شاه أسد الله ابن السيد جلال الدين أمير الحسني الحسيني الطباطبائي البروجردي المتوفى بها سنة 1160 وله فيها قبر يزار ، وهو جد آية الله بحر العلوم ، له مؤلفات كثيرة منها : إثبات عصمة الأئمة الطاهرين ، رسالة في فضل مسجد الكوفة والصلاة فيها ، وأسرار أشكال حروف الهجاء ، والأعلام اللامعة ، وتحفة الغري ، وتاريخ الأئمة ، والجبر والاختيار ، ودفع شبهة ابن كمونة ، والرد على سهو النبي ، وشرح الزيارة الجامعة ، وصلاة الجماعة ، ورسالة في الأمر ، ورسالة في شهادة النساء ، ورسالة في طالع الولادة ، وشرح مفاتيح الشرائع وغيرها .
3 - من لا يحضره الفقيه : 1 / 231 ح 695 .
4 - انظر : تاريخ الطبري : 1 / 634 .