|
قال الطبري في التاريخ
الكبير( ج4 ص191) في حوادث سنة 17 : لما أجمعوا
على أن يضعوا بنيان الكوفة ، أرسل
سعد إلى أبي الهياج فأخبره بكتاب عمر في الطرق
، أنه أمر بالمناهج أربعين ذراعا وما
يليها ثلاثين ذراعا وما بين ذلك عشرين ،
وبالأزقة سبعة أذرع ، ليس دون ذلك شيء ،
وفي القطائع ستين ذراعا إلا الذي لبني ضبة .
فاجتمع أهل الرأي للتقدير ، حتى إذا
أقاموا على شيء قسم أبو الهياج عليه ، فأول شيء
خط بالكوفة وبني حين عزموا على
البناء المسجد ، فوضع في موضع أصحاب الصابون
والتمارين من السوق ، فاختطوه ثم قام
رجل في وسطه رام شديد النزع فرمى عن يمينه ،
فأمر من شاء أن يبني وراء موقع ذلك
السهم ، ورمى من بين يديه ومن خلفه ، وأمر من
شاء أن يبني وراء موقع السهمين ، فترك
المسجد في مربعة علوه من كل جوانبه ، وبنى ظلة
في مقدمه ليست لها مجنبات ولا مواخير
، والمربعة لاجتماع الناس لئلا يزدحموا ، وكذلك
كانت المساجد ما خلا المسجد الحرام
، فكانوا لا يشبهون به المساجد تعظيما لحرمته ،
وكانت ظلته مائتي ذراع على أساطين
رخام كانت للأكاسرة سماؤها كإسمية الكنائس
الرومية ، وأعلموا على الصحن بخندق لئلا
يقتحمه أحد ببنيان ، وبنوا لسعد دارا بحياله
بينهما طريق منقب مائتي ذراع ، وجعل
فيها بيوت الأموال وهي قصر الكوفة اليوم ، بنى
ذلك له روز به من آجر بنيان الأكاسرة
بالحيرة ، ونهج في الودعة من الصحن خمسة مناهج
وفي قبلته أربعة مناهج وفي شرقيه
ثلاثة مناهج وفي غربيه ثلاثة مناهج وعلمها ،
فأنزل في ودعة الصحن سليما وثقيفا مما
يلي الصحن على طريقين ، وهمدان على طريق ،
وبجيلة على طريق آخر ، وتيم اللات على
آخرهم وتغلب
.
وأنزل في قبلة الصحن
بني أسد على طريق ، وبين بني أسد والنخع طريق ،
وبين النخع وكندة طريق ، وبين كندة
وأزد طريق ، وأنزل في شرقي الصحن الأنصار
ومزينة على طريق ، وتميم ومحارب على طريق
، وأسد وعامر على طريق ، وأنزل في غربي الصحن
بجالة وبجلة على طريق ، وجديلة وأخلاط
على طريق ، وجهينة وأخلاط على طريق ، فكان
هؤلاء الذين يلون الصحن وسائر الناس بين
ذلك ومن وراء ذلك واقتسمت على السهمان ، فهذه
مناهجها العظمى . وبنوا مناهج دونها
تحاذي هذه ثم تلاقيها ، وأخر تتبعها وهي دونها
في الذرع ، والمحال من ورائها وفيما
بينهما ، وجعل هذه الطرقات من وراء الصحن
.
ونزل
فيها الأعشار من أهل الأيام والقوادس ، وحمى لأهل الثغور
والموصل أماكن حتى يوافوا إليها ، فلما ردفتهم
الروادف البدء والثناء وكثروا عليهم
ضيق الناس المحال ، فمن كانت رادفته كثيرة شخص
إليهم وترك محلته ، ومن كانت رادفته
قليلة أنزلوهم منازل من شخص إلى رادفته لقلته
إذا كانوا جيرانهم ، وإلا وسعوا على
روادفهم وضيقوا على أنفسهم
.
فكان
الصحن على حاله زمان عمر كله ، لا تطمع فيه القبائل ليس
فيه إلا المسجد والقصر والأسواق في غير بنيان
ولا أعلام
.
وقال
عمر : الأسواق على سنة المساجد من سبق إلى مقعد
، فهو له حتى يقوم منه إلى بيته أو يفرغ من
بيعه ، وقد كانوا أعدوا مناخا لكل رادف
، فكان كل من يجيء سواء فيه - وذلك المناخ
اليوم دور بني البكاء - حتى يأتوا أبا
الهياج فيقوم في أمرهم حتى يقطع لهم حيث أحبوا
.
وقد
بنى سعد في الذي خطوا للقصر قصرا بحيال محراب مسجد الكوفة
اليوم فشيده وجعل فيه بيت المال وسكن ناحيته ،
ثم إن بيت المال نقب عليه نقبا وأخذ
من المال ، وكتب سعد بذلك إلى عمر ( ووصف له
موضع الدار وبيوت المال من الصحن مما
يلي ودعة الدار ) (
1 ) . فكتب إليه عمر : أن
انقل المسجد حتى تضعه إلى جنب الدار ،
واجعل الدار قبلته ، فإن للمسجد أهلا بالنهار
وبالليل وفيهم حصن لمالهم . فنقل
المسجد وأراغ بنيانه فقال له دهقان من أهل
همذان يقال له : روزبه بن بزرجمهر : أنا
أبنيه لك وأبني لك قصرا فأصلهما ويكون بنيانا
واحدا . فخط قصر الكوفة على ما خط
عليه ، ثم أنشأه من نقض آخر قصر كان للأكاسرة
في ضواحي الحيرة على مساحته اليوم ولم
يسمح به ، ووضع المسجد بحيال بيوت الأموال منه
إلى منتهى القصر يمنة عن القبلة ، ثم
مد به عن يمين ذلك إلى منقطع رحبة علي بن أبي
طالب ( عليه السلام ) والرحبة قبلته ،
ثم مد به فكانت قبلة المسجد إلى الرحبة وميمنة
القصر ، وكان بنيانه على أساطين من
رخام كانت لكسرى بكنائس بغير مجنبات ، فلم يزل
على ذلك حتى بني زمان معاوية بن أبي
سفيان بنيانه اليوم على يدي زياد ، ولما أراد
زياد بنيانه دعا ببنائين من بنائي
الجاهلية فوصف لهم موضع المسجد وقدره وما يشتهي
من طوله في السماء وقال : أشتهي من
ذلك شيئا لا أقع على صفته . فقال له بناء قد
كان بناء لكسرى : لا يجيء هذا إلا
بأساطين من جبال أهواز تنقر ثم تثقب ثم تحشى
بالرصاص ، وبسفافيد الحديد فترفعه
ثلاثين ذراعا في السماء ثم تسقفه وتجعل له
مجنبات ومواخير فيكون أثبت له . فقال
:
هذه الصفة التي كانت نفسي تنازعني إليها ولم
تعبرها
.
وغلق باب القصر وكانت الأسواق تكون في موضعه
بين يديه ، فكانت غوغاؤهم تمنع
سعدا الحديث . فلما بنى ادعى الناس عليه ما لم
يقل وقالوا : قال سعد : سكن عني
الصويت . وبلغ عمر ذلك ، وأن الناس يسمونه :
قصر سعد ، فدعا محمد بن مسلمة فسرحه
إلى الكوفة وقال : اعمد إلى القصر حتى تحرق
بابه ثم ارجع عودك على بدئك . فخرج حتى
قدم الكوفة فاشترى حطبا ثم أتى به إلى القصر
فأحرق الباب ، وأتى سعدا فأخبر الخبر
فقال : هذا رسول أرسل لهذا من الشأم
.
وبعث
لينظر من هو ، فإذا هو محمد بن مسلمة ، فأرسل إليه رسولا
بأن ادخل فأبى ، فخرج إليه سعد فأراده على
الدخول والنزول فأبى وعرض عليه نفقة فلم
يأخذ ، ودفع كتاب عمر إلى سعد : بلغني أنك بنيت
قصرا اتخذته حصنا ويسمى قصر سعد ،
وجعلت بينك وبين الناس بابا ، فليس بقصرك ولكنه
قصر الخبال ، انزل منه منزلا مما
يلي بيوت الأموال وأغلقه ، ولا تجعل على القصر
بابا يمنع الناس من دخوله وتنفيهم به
عن حقوقهم ليوافقوا مجلسك ، ومخرجك من دارك إذا
خرجت . فحلف له سعد ما قال الذي
قالوا ، ورجع محمد بن مسلمة من فوره حتى إذا
دنا من المدينة فنى زاده ، فتبلغ بلحاء
من لحاء الشجر فقدم على عمر وقد سبق فأخبره
خبره كله . فقال : فهلا قبلت من سعد
.
فقال : لو أردت ذلك كتبت لي به أو أذنت لي فيه
. فقال عمر: إن أكمل الرجال رأيا من
إذا لم يكن عنده عهد من صاحبه عمل بالحزم أو
قال به ولم ينكل . وأخبره بيمين سعد
وقوله ، فصدق سعدا وقال : هو أصدق ممن روي عليه
ومن أبلغني
.
وقال
أيضا : عن عطاء أبي محمد مولى إسحق بن طلحة قال
:
كنت أجلس في المسجد الأعظم قبل أن يبنيه زياد ،
وليست له مجنبات ولا مواخير فأرى
منه دير هند وباب الجسر
.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
. . . . . . .
1-
ما بين القوسين أثبتناه من المصدر .
|