من يروم التعرف على شيء من طبيعة التبليغ الإسلامي وضروراته ، وما يلزمه من مناهج ، ينبغي له أن يستظل بما رسمته له النصوص الإسلامية في هذا المجال ، لما عهد فيها من واقعية محيطة بدقائق الرسالة التي تعنيها ، وبالطبيعة الإنسانية التي تخاطبه ، إلى مقتضيات الحياة في تجددها المستمر ، وإلى المدى الأبدي المعجز الذي شملته في بيانها . فالتبليغ الإسلامي –وبهذه المادة (ب ل غ) في اشتقاقاتها المختلفة- موضوع عرض له القرآن الكريم في العديد من آياته الكريمة ، وحدد أبعاده ، وبيّن كثيراً من صوره وخصائصه ، ووضعه في الأجواء العامة التي يتحقق من خلالها ، وأشار إلى شيء مما يواكبه من عوامل وظروف ، ولذا كان على من يريد الانتساب إلى هذه المهمة أن يستنطق تلك الآيات ، ليصبح على بصيرة من مراد القرآن فيه .. وكشاهد على هذا نقف الآن عند لمحات سريعة من ذلك العرض القرآني للتبليغ . ولنبدأ معه في أفق ذات الحجة الإلهية ، التي هي موضوع التبليغ وغايته الأولى ، حيث تتحدد على أساس ملامحها وحدودها جميع ما ينتسب إلى التبليغ من مسؤوليات وشرائط . ويلاحظ أن القرآن وصف هذه الحجة بأنها البالغة ، إذ قال (تعالى) : "قُلْ فَلِلّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ" . ((الْبَالِغَةُ)) ، هكذا ، بصيغة اسم الفاعل ، من البلوغ المجرد من التضعيف ، ومن الزيادة ، مع تعريف بالألف واللام ، وتوصيف لتلك الحجة . إذن ؛ فبلوغ هذه الحجة أمر ذاتي فيها ، وهي لا تحتاج إلا للانتساب إلى الله .. إلى الله وكفى .. مما يعني أن لهذه الحجة قوة ذاتية تمكّنها من أن تفرض نفسها على العقول الإنسانية بمجرد أن تتحقق لها المواجهة السافرة مع هذه العقول ، وعند حدود تحقيق هذه المواجهة تقف مهمة حملة هذه الحجة ، وتستوفى مسؤولية مبلغيها ، أما ما وراء ذلك فهي مهمة نفس الحجة ، ومهمة البصيرة الإنسانية في التعامل معها ، كيف ؟ .. وفي الحقيقة أن هذا النوع من التعبير القرآني ظاهرة قرآنية عامة ، يلحظها المتتبع لطرائق القرآن في بيانه لجميع حقائقه وشؤونه ومفاهيمه ، فهو يلقي تلك الحقائق بحسم وقاطعية بالرغم مما فيها عمق ودقة وأهمية ، ويقرر ما يرومه لها من نتائج وآثار بكل وضوح وبساطة ، وإن كان لها من الخطر ما يستوعب الحياة ، كل ذلك بتحدٍّ وثقة لا وهن فيهما ولا تردد . أما الأساس الذي يعتمده القرآن في هذه الظاهرة ، فيعود –في مبدئه- إلى ما تعهد به القرآن لذاته من فطرية عامة تعتمد أصل الخلقة الكونية والإنسانية ذاتها ، وتستند إلى مجرياتها وتوجهاتها الطبيعية كأرصدة ثابتة ومكينة ، تنهض عليها حقائقه تلك ومفاهيمه ، بما فيها من عمق ، وما لها من شمولية للحياة .. فإلى هذه الفطرية ووضوحها استند القرآن في طرحه لعقائده وأصوله ، مع تقريره -في الوقت نفسه- أنه يربأ بها عن أي شك أو ريب يمكن أن توجهه إليها العقول ... "قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ .." . "ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ ." . "لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لاَ رَيْبَ فِيهِ .." . والى هذه الفطرية وما يتسم به قضاؤها الحاسم من وضوح ، احتكم في تحدّيه المتكرر بإعجازه الذاتي ، لتسلّم له العقول بهذا التحدي مدى الزمان ، ولتقف أمامه خاشعة دون جواب ، بل ومن حاول تجاوز هذا الخشوع ألجمته نفس فطرته قبل غيره ليكون هو أول من يستهجن من ذاته هذا التجاوز . "وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُواْ شُهَدَاءكُم مِّن دُونِ اللّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ . فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَن تَفْعَلُواْ فَاتَّقُواْ النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ ." . " قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَـذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً . وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَـذَا الْقُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلاَّ كُفُوراً ." . "الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءهُمْ وَإِن َّ فَرِيقاً مِّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ." . وكما ورد هذا التحدي بأصل القرآن أو بسوره ، ورد أيضاً بالصفات التي أضفاها على نفسه ، حيث تواترت آياته بأنه مبارك ، وأنه بيان ، وأنه برهان من الرب ، وأنه بصائر ، وأنه شفاء لما في الصدور ... إلى غير ذلك ، وكان موقف العقول هو الموقف الأول المسلّم ، المتيقن بصدق القرآن فيما يقول . وبنفس اللهجة المتحدية الواثقة يقدم رسوله الكريم (ص) للعقول ، فهو ينعته بتلك الصفات العليا التي هي القمة في التطلعات الإنسانية ، لتحاكمه من خلالها تلك العقول ، وتميز شأنه من بين مدعي النبوة ، قبل أن تؤمن به ، وتتخذه أسوة لها في العلم والعمل : "مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ .." .. "وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ." . "لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ ." . "فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ .." . وأطروحة القرآن للدين ، أو الرسالة التي جاء بها محمد (ص) لا تخرج عن هذا الخط أيضاً : "هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ ." . "وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ." . "الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ .." . والى هذه الفطرية ، وإلى وضوح أحكامها في العقول أيضاً ، استند القرآن في بيان الدرجات التي يعنيها دينه ، وتستحقها أحكامه في حياة الإنسان ، ليكتسب سِمَتها –حينئذ- من يهدي إليها الآخرين ، فدين الله هو الهدى ، وهو دين الحق ، وأحكامه هي المعروف ، ومنهياته هي المنكر ، ليفرع على هذا الاصطلاح تسمية الدعوة إلى إقامة ذلك المعروف بـ (الأمر) ، وتسمية من يقوم بتلك الدعوة من الناس بـ (الآمر) ، مقابل تسمية الزجر عن ذلك المنكر بـ (النهي) ، ومن قام بهذا الزجر من الناس سماه بـ (الناهي) ، وواضح ما تعنيه هذه التسميات من رفعة ، تضع ذلك الدين وأحكامه والداعي إليها جميعاً في درجات تسمو بها على ما ومن سواها : "كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ .." . " وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ." ، وهكذا . وأخيراً ، وإلى هذه الفطرية الواضحة الأحكام استند القرآن في محاسبة الإنسان جراء مواقفه تجاه أي من حقائقه ومناهجه ، سواء على مستوى العقيدة ، أم على مستوى العمل ، أم على مستوى الالتزام والأخلاق ، وعلى أساسها رتب جميع ما سينال الإنسان من آثار دنيوية أو أخروية ، على صعيد الاستجابة لأمر الله ، أو على صعيد التنكب عن طريقه ، حيث استحق المثوبة من استحقها ، واستحق العقوبة من استحقها أيضاً .. "لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ لَهَا وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ . اللّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّوُرِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْلِيَآؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُوْلَـئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ." . نعم ؛ إن القرآن لم يغفل ما تحتاجه العقول من أدلة لابد منها لبلورة أي من تلك الحقائق والمفاهيم ، إلا أنه في الغالب يجعل تلك الأدلة في المرحلة الثانية بعد اعتماده تلك المواجهة الفطرية في البيان ، ليجعل هذه الفطرية أيضاً هي الموئل الذي تبدأ منه تلك الأدلة ذاتها ، وإليه تنتهي ، كما قرأناه في استدلاله على وجود الباري (تعالى) حين قال : ((أَفِي اللّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ)) . إذ هو بعد أن يبرز استنكار الأنبياء من أممهم صدور دعوى الشك في الله (سبحانه) منهم ((أَفِي اللّهِ شَكٌّ؟)) ، يقرر دليل الخلق في نشأة السماوات والأرض ، أو دليل النظام فيما فيها من سنن وقوانين تجلت بها تلك النشأة : ((فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ)) ، ودليل الخلق ودليل النظام كلاهما مما تسالمت عليه العقول في اتجاهاتها المختلفة في بناء معرفتها ، ليعود القرآن بهذين الدليلين ذاتيهما إلى الفطرة أيضاً ، ومن خلال ما تتيقنه من مبادئ بديهية ، حيث لا ينتهيان إلى نتيجة علمية بدونها .. وهكذا الأمر نفسه بالنسبة إلى الحقائق والمفاهيم الأخرى . وفي هذا الإطار نفسه يرد التعبير القرآني السابق ببلاغ الحجة الإلهية : ((لِلّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ)) . فهو يشير إلى أن هذا البلاغ -ولما تتمتع به الحجة الإلهية من قوة ذاتية ، وحضور بديهي واضح لفطرة العقل- لا تحتاج فيه إلى أكثر من المواجهة الفعلية بينها وبين البصائر الإنسانية ، لتتحقق جميع الشرائط التي يتطلبها علم الإنسان بها ، و-من ثم-قيامها عليه ، وتكليفه بالاستجابة لها -ومن ثم- محاسبته على استقامته معها ، أو انحرافه عنها ، وواضح أن حجة الله لا تعدو آياته التي أنزلها لهداية الناس ، وبيناته التي أقامها شواهد لكلمته . أما ما يرد بعد ذلك ، من استجابة الناس لتلك الحجة ، أو عدم استجابتهم لها ، فهذا يعود إليهم ، ليهلك من يهلك منهم عن بينة ، ويحيا من يحيا منهم عن بينة أيضاً ، فقد تم البلاغ وأقيمت الحجة ، وما بعدها إلا حساب الله وجزاؤه : مثوبة منه على طاعته ، أو عقوبة منه على معصيته أو الانحراف عن سبيله . ** ** ** أما رسل الله الأصفياء ، فمهماتهم هي -وكما يعبر عنها القرآن- : (الْبَلاغُ) ، أو (الْبَلاغُ الْمُبِينُ) .. "فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ" . "وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَإِنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ ." . "فَإِنْ أَعْرَضُوا فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ" . نعم ، إنه الحصر ، وإنه البلاغ ، هذا ما يؤكد عليه العديد من الآيات التي عرضت مهمات الرسل –بشكل عام- ومهمة الرسول محمد (ص) -بشكل خاص- . الحصر بـ (إنما) أو (الاستثناء المفرغ بعد النفي) ، إذن فلا مهمة لرسل الله سواها ، أما المهمات الأخرى التي عرفت لهم وذكرتها آي الكتاب العزيز –بالرغم من عظمتها وأهميتها- إنما ترد ضمن هذه المهمة ، أو هي مصداق من مصاديقها . وإنه ذات (البلاغ) والوصول إلى البصائر ، فلا يكتفى من أحد أولئك الرسل إبلاغ أو تبليغ ما دونه من الحجج والبينات بينما يبقي نفسه خارج ذلك المفهوم . وهذا يعني أن مسؤولية الرسول أن يجعل من نفسه مصداقاً لحجة الله (تعالى) البالغة ، دون الاكتفاء منه بأن يُبلِغ أو يُبلِّغ عن الله شيئاً آخر من الحجج ، في وقت لا يحقق بذاته ذلك المستوى أيضاً في وجوده وحياته . وحين يفرض على الرسول أن يكون بلاغه هذا مبيناً جميع حجج الله وبصائره للناس الذين أرسل إليهم ، فهذا يعني ضرورة أن يكون كل ما يقوله الرسول ، وما يأتيه من فعل ، وما يتسم به من سجية تتراءى بها شخصيته صورة فعلية قائمة لما تحمّله من رسالة الله وهداه وحججه وبيناته ، دون أدنى تفاوت أو اختلاف . وهنا تكمن الدقة والعظمة اللامتناهية في شخصيات الرسل وفي مهماتهم –من جهة-، كما يتضح إعجاز القرآن في بيانه لتلك الدقة والعظمة –من جهة ثانية- . فأن يكون شخص من الناس حجة بالغة لله في هذه الأرض ، يعني إحاطته بجميع ما تعنيه هذه الحجة من شرائط اقتضتها حكمة الله في الخلق والتدبير والتشريع ، في الكون وفي واقع الإنسان معاً ، دون أي خلل أو تفاوت ، كما يعني ارتفاعه إلى مستوى تلك الحجة ، واستقامته المطلقة معها دون أدنى قصور في نظرة ، أو وهن في كلمة ، أو اختلاف في موقف ، أو ارتباك في سجية أو سمة . إذن ؛ فهو العلم الشامل بكل ما تحتاجه الرسالة وإن كان من معين الغيب ، وهي العصمة المطلقة عن أي خروج عن خطها وإن اختلفت الأحوال ، وتفاوتت المواقف ، وهو اطراد الكمال الإنساني الأعلى الذي ترنو إليه فطرة الإنسان في تطلعاتها المبدئية ، وتراه فلا تشك ولا ترتاب . أما أن يكون هذا البلاغ مبيناً ، فهو يعني –أولاً وقبل كل شيء- ضرورة أن يجسد كلمة الله وهداه وحكمته كلها في ذاته نوراً شاخصاً يستوعب وجوده وحياته ، ليكون هذا النور ذاته مصدر كل نور تتسم به حجج الله (تعالى) التي يؤديها إلى العباد ، حيث تتجلى بصائرها للعقول في كل كلمة ينطقها ، وفي كل فعل يقوم به ، وفي كل موقف يأتيه ، دون وهن يتراءى في أي منها وعلى أي صعيد . وهذا ما يشير إليه أيضاً قوله (تعالى) في خطابه لرسوله الكريم محمد (ص) من سورة الأحزاب ، معبراً عن بعض مهماته في رسالته : أن يكون ((سِرَاجاً مُّنِيراً)) ، لتصبح هذه الإنارة الذاتية من شخصيته (ص) هي الشرط الأساس في الوضوح الفطري المطلوب لجميع المهمات الأخرى التي عرضت لها الآية الكريمة ، قال (تعالى) : "يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً . وَدَاعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مُّنِيراً ." . أما ضمان هذه الدرجة العليا من الكمال الإنساني المطلق في رسل الله (تعالى) وأصفيائه ، فهو من شأن الله وحده ، فهو الذي اصطفاهم ، وتعالت حكمته أن تهمل شيئاً من أمرهم : "اَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ .." . "وَلَوْلاَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّت طَّآئِفَةٌ مُّنْهُمْ أَن يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلاُّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِن شَيْءٍ وَأَنزَلَ اللّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً ." . "وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُوْلِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ . إِنَّا أَخْلَصْنَاهُم بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ . وَإِنَّهُمْ عِندَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ ." . "ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى . وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي ." ، إلى غير ذلك . ** ** ** ثم إن العصمة التي يستوجبها بلاغ الرسول ، وجعله لذاته حجة لله مبينة ، تستكمل بها حججه الأخرى بلاغها الذاتي إلى البصائر ، تتطلب –ولا ريب- وفاءه حتى بشرائط هذه الذاتية لبلاغ حجة الله (تعالى) ، وحيث أراده الله لهذه الحجة ، بنفس المستوى الذي يعنيه وفاؤه بأصل إقامتها على الناس . حيث لا يكتفى من الرسل أن يقيموا تلك الحجة –في آفاقها العامة- بمستوى لا تدركه العقول إلا ببذل جهد لا تستطيعه إلا الخاصة من الناس ، أو إقامتها مع ضبابية يزيغ معها بعض الألباب ، أو أنهم يخاطبون الأذهان في بيناتهم لا من حيث توجهاتها العامة ، أو مما وراء طاقاتها الإدراكية ، أو يقتصرون في خطابهم معها على ظرف خاص ، أو من خلال مستوى معين أو في أفق من آفاق الحياة ، دون أن يعيروا اهتماماً لما وراء ذلك من الظروف أو المستويات أو الآفاق الأخرى ، فكل ذلك مما يحجب ما بين الفطر الإنسانية وهذه الحجة ، فيمنعها من تحقق سمة الذاتية لهذا البلوغ لديها . هذا وعلينا أن نعلم –أولاً- أن الحياة الإنسانية معقدة تمام التعقيد ، متداخلة عامة التداخل ، في الأصعدة والآفاق والجوانب والمراحل الزمنية التي يمر بها تأريخها .. ونلتفت –ثانياً- إلى عامل الصراع الأبدي بين الحق والباطل ، حيث يحتدم هذا الصراع -وكما أشرنا في حديث سابق- من أعمق أعماق الفرد وحتى آخر ظاهرة عامة تحكم المجتمع ، وحتى التاريخ أيضا .. ويضاف إلى هذا –ثالثاً- اختلاف ما بين البيئات الحضارية والاجتماعية والمذهبية التي يعيش فيها الأفراد ، والطرائق التي يتعاملون بها مع الحياة ، والتوجهات العامة أو الخاصة التي يحقق بها كل منهم حياته .. كما يضاف –رابعاً- اختلاف ما بين الخبرات ، والطاقات العقلية ، ومراحل النضج ، ومقتضيات الوراثة لدى كل فرد من الناس ، فضلاً عن تفاوت الأفراد في مواقعهم الاجتماعية ، ومدى هيمنة الظروف التي يمر بها كل منهم ، وما تفرزه تربيته الخاصة عليه من طابع تتحدد فيه شخصيته ، وتتبلور طريقته في السلوك ، وفي مواجهته للمواقف والأحداث التي تدخل في مسار حياته .. ولا نستبعد –خامساً- هيمنة الانفعالات النفسية ، وتأثيراتها على أخلاق الأفراد وسلوكهم .. إلى غير ذلك من العوامل غير المتناهية لاختلاف ما بين الناس أفراداً ومجتمعات ، حتى أصبح لكل فرد شخصيته ، ولكل فرد توجهاته ، ونظرته للحياة ، ورؤيته لأبعادها ، و –من ثم- تعامله الخاص مع أي أطروحة دينية أو مذهبية تواجهه . وواضح أن هذه العوامل تستوجب -في مجال فاعلية الرسل في حياة الناس- إحاطة تامة بها جميعاً ، ومعرفة بطرائق استيعابها ، وهيمنة كاملة عليها ، وعضداً بما يجعل تلك حجة الله (تعالى) في موضعها المناسب أمام بصيرة الإنسان ، وبمستوى ما تحتاجه فطرته ، لتتخذ هي –بعدئذ- دورها المقرر ، وبدون ذلك لا تتحقق تلك المواجهة بشكلها السافر المطلوب .. وهكذا كانت الديمومة في إقامة الحجة ، واختلاف طرائق البيان ، وتنوع لغة الخطاب ، وإحكام البناء التربوي لكل من الأفراد والمجتمعات ، والتنقية المستمرة للنفوس من شوائب الضلال والانحراف ، وإسناد كل ذلك بما يستقطب العقول في بصائرها ومستوياتها المختلفة ، هي بعض شرائط تلك الفاعلية المطلوبة من أولئك الرسل المطهرين . وهذا بعض ما يعنيه البيان القرآني باستعمال صيغة الفعل من (بلغ) في بعض الموارد ، مع التضعيف تارة ، ومع الزيادة أخرى وهو يشير إلى مهمات بعض الرسل كما في قوله (تعالى) : "مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَراً مَّقْدُوراً . الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ .." . "يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ .." . "فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالاَتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آسَى عَلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ ." . "لِيَعْلَمَ أَن قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَداً ." . كما تعنيه الاستعمالات القرآنية الأخرى التي ركزت –ولمقتضيات سياقاتها الخاصة- على جوانب معينة من فاعلية أولئك الرسل المطهرين (ع) في مجتمعاتهم ، كالدعوة ، والبيان ، والهداية ، والتبشير ، والإنذار ، والتزكية ، وغيرها مما ذكرته آيات الكتاب العزيز من مصاديق تبليغهم لرسالات الله : "رُسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللّهُ عَزِيزاً حَكِيماً ." . "يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً . وَدَاعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مُّنِيراً ." . "هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ .." . إلى غير من الآيات الواردة في مثل هذه المضامين . أما وقد شاءت طائفة من المؤمنين أن تستجيب لأمر الله (تعالى) بالتفقه في الدين ، وأن تتحمل مسؤولية تبليغ حجة الله وبيناته إلى مجتمعاتها ، فمن الطبيعي أن يكون لها في رسل الله وأصفيائه أسوة حسنة ، في هذه المهمة كما في غيرها ، لتكون تلك الديمومة في إقامتها لحجة الله (تعالى) ، واستعمالها لمختلف ما تحتاجه العقول من طرائق البيان ، وتنوعها في لغة التخاطب معها كل بحسبه ، مع سعي حثيث -وقدر الإمكان- لإحكام بنائها التربوي والأخلاقي على صعيد الفرد أو على صعيد المجتمع ، وتنقية دائبة للنفوس من أوضار الضلال ، وخلل الانحرافات ، وإسناد جهودها بما يستقطب أبصارها مع الأخذ بالاعتبار اختلاف مستوياتها ، كل هذا بعد استيعاب علمي كاف لتلك الحجة ودلائلها وطرائق تبليغها دون خلل أو وهن ، وبمستوى ما يحتاجه المجتمع الذي يقصد التبليغ فيه . وهذه الأمور بعض ما أكدت عليه الآيات الكريمة ، والروايات الشريفة في بيانها لحدود وطرائق الدعوة إلى الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، أمثال قوله (تعالى) : "ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ .." . "وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ ." . " وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَـئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللّهُ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ." ، إلى غير ذلك . أما الروايات فهي أكثر وأوسع من أن تحتاج إلى اقتباس ، ولاسيما أنها ليست بمنأى عمن يروم الاطلاع عليها من الإخوة الحوزويين . هذا كله بنحو الإجمال ، أما التفصيل فنسأل الله (تعالى) أن يوفقنا لها في أحاديث قادمة فمنه التوفيق والمدد . |